الخميس، 12 سبتمبر 2019

الباب الاليكتروني


الباب الاليكتروني

لقد كان ( زكي المصيلحي ) أو الدكتور كما يطلق عليه سكان البناية والبنايات المجاورة عجوزا أشيب يعيش وحيدا في فيلا معزولة بالمعادي وكان الدكتور من أوائل الناس اللذين ركبوا نظام إنذار إليكتروني أمريكي يعمل في حالات الطوارئ سيما في السرقة والحريق وغيرها من الحالات التي تستدعي وجود رجال الأمن والطوارئ في المنطقة ولم تمر السنة عليه – ( زكي ) والنظام كلاهما -  إلا وكان قد عدل هذا النظام بنظام ألماني آخر أحدث وأكثر تطورا يسمح بالاتصال برجال الأمن أوتوماتيكيا عبر مكبر الصوت المتصل بالهاتف وبالطبع كان لمكبر الصوت عدة أجهزة في كل غرفة من غرف المنزل وصار اللقب الذي يطلق على (زكي) هو اسم على مسمى فقد حصن االدكتور بيته جيدا ضد الطفيلين والمعتدين من الخارج بل قام بإضافة ابواب أتوماتيكية تعزل كل دور في الفيلا عن الآخر وكان جهاز مناعته هو النظام الاليكتروني ومع الوقت تبين لزكي الكثير من إمكانيات النظام الجديد لفتح وغلق الأبواب بدقة لا متناهية حتى أنها صارت مثل أبواب المخابرات التي في قصص الخيال العلمي تفتح باستخدام بصمة الصوت ولما كان النظام لا يستغني عن الكهرباء فقد أمن (زكي) مصدر دائما للكهرباء خلاف المولد الاحتياطي الذي يعمل في خلال أقل من ثانية  من فصل التيار الرئيسي , وصار (زكي) فخورا جدا بنظامه الاليكتروني الذي حول فيلته لقلعة حربية إليكترونية لا تقتحم ولا يختلس منها شيء أبدا , ولكن ماحدث بعد ذلك كان مأساويا فقد غاب (زكي) عن المنطقة لفترة تزيد على الشهر  وعندما عاد وجد أن البواب وأسرته قد ماتوا من الجوع نعم ماتوا من الجوع.

يقول الشهود الذين دخلوا الفيلا بعدما اتت الشرطة ان الجثث الأربع للغففير وزوجته وابناه كانت ممددة بجوار الباب الرئيسي في محاولة يائسة للوسول للخارج حتى ماتوا، لقد حبس المساكين كلهم في الطابق الارضي ولم يكن لهم من سبيل للخروج او الاتصال بالعالم الخارجي فالطابق الارضي لم يكن به تليفونات ولم يكن مع الغفير وأسرته موبايل أو أي شيء.

وعرف الجميع أن الباب انغلق على البؤساء حتى وفاتهم ولم يكن من مخارج أخرى من الدور فكانت التكنولوجيا الحديثة هي الملوم عن الوفاة.

لكن ما لم يقوله الدكتور أنه قام بعمل تحديث لنظام الدخول والخروج قبل سفره بيوم واحد وقام بتغيير الباسورد التي كان يعرفها البواب وعندما سافر الدكتور وفي اليوم التالي مباشرة دخل البواب واسرته لينعموا بالإقامة في فيلا الدكتور فما كان من الدكتور زكي إلا أن أغلق نظام الأمان عليهم عبر الانترنت وعطل نظام الاتصال بالشرطة فقام بعزلهم تماما ثم نسي أمرهم..هكذا ببساطة.

تمت

شبح المدرسة


-         " ألو . ؟ "
-         " ألو .. أمن الممكن أن أكلم حازم لو سمحت .؟ "
-         " أنا هو , من المتكلم .؟ "
-         " كيف حالك يا ولد .؟ وكيف حال الرفاق .؟ ماذا ألم تتعرف على صوتي بعد يا ذكر الخنفسة..؟ يالك من متخلف هاهاهاهاهاهاهاها "
-         " ( بدهشة ممزوجة بالفرح ) متخلف ..؟ إذن أنت رامي .. رامي الروبي .. كيف حالك أيها الشنقيط .؟ وأين هي أراضيك الآن .؟ ولم لم تتصل منذ فترة .؟ آه لحظة .. هل ذلك لأنك توفيت؟ وكيف تكلمني الآن إن كنت متوفيا أصلا .؟ .. "
-         " إسأل نفسك أيها الحمار .. كيف لي ان أكلمك تليفونيا وأنا متوفى .. يسعدني أن أخبرك يا حازم يا صعيدي بأنك مازلت أحمقا ومتخلفا أيضا برغم أنك الوحيد في الشلة الذي دخل كلية الهندسة."
-         " ( مغيرا دفة الحوار برقة , بعدما احمرت أذناه من الخجل ) ولكن قل بالله عليك كيف حالك الآن وأين تسكن ولماذا رحلت أنت واهلك من المدينة بهذه السرعة إنك حتى لم تنتظر امتحانات نصف العام ولم تحاول أن تودع أحد بل لقد علمنا نبأ رحيلك من جارك ذي النمش في وجهه."
-         " من هذا أيضا .؟ "
-         " ذاك الفتى البدين الخجول الذي كان يسكن في الشقة التي تجاور شقتكم .. أعني إبان سكناكم في المدينة ."
-         " ( بلهجة من يتذكر ) آه سلطان .. لابد أنك تقصد سلطان لكني لم أعرف أن سلطان لديه نمش من قبل ولكنها ملاحظة دقيقة من عبقرينو الشلة."
-         " كيف لم تلاحظ ذلك؟ .. إنه يغطي نصف وجهه على الأقل "
-         " حسنا يا عم المفتش السري , لا تعايرني بدقة ملاحظاتك , أنسيت العام الأخير لي معكم في المدينة ."
-         " ( بحذر ) ماذا عنه .؟ "
-         " ترى لو كنت تتمتع بدقة الملاحظة فعلا لتمكنت من معرفة الفرق في الاسم .. ( ثم بوحشية تختلط فيها الضحكة الماجنة ) ولكانت مي الآن من نصيبك انت وليست من نصيبي.."
-         " ( بانفعال ) اسمع يا رامي انا لم أحب أو حتى أستلطف هذه الفتاه يوما.. بل إنني لأراها صبيا أكثر منها بنتا بشعرها القصير دوما وبنطالها الضيق وما رأيتها يوما بنتا حقيقية ."
-         " ( بسخرية ) ولكنك لم تكن تفكر هكذا منذ عامين ونصف .. وإنني لأتذكر وجهك الآن حينما واجهتك هي بأنك حتى لا تعرف على وجه اليقين ما هو اسمها فقلت أنت قاطعا على نفسك سبل الوصل ( منى ) وكنت أنا أقف بجانبك أكاد أثقب ضلوعك بكوعي من كثرة اللكز حتى تنظر لشفتاي وتعرف أنها مي وليست منى أيها الأحمق, وتعرف كم حاولت أنا لأصلح سوء الفهم الحاصل بينكما ولكن دون جدوى  "
-         " نعم ثم بعدها بأسبوعين كنت أنت أميرها الذي يأتي كل يوم في سيارة والدك البيضاء كي يلقي عليها تحية الصباح ثم تراها بين كل حصة والأخرى حتى في وقت الفسحة بين الحصص صرت تهمل أصدقائك وتقضي جل وقتك معها.. ( بحقد )  بل إنك كنت تأخذ منا الشطائر كي تأكلها معها.. حقا لقد أصلحت مابيننا وكان دورك فعالا في التقريب بيننا , أشكرك بشدة أشكرك يا صديقي "
-         " وما شأني أنا إن كانت هي لم تميل إليك يوما ما .؟ "
-         " ( بلهجة من يحاول السيطرة على مشاعره ) حسنا يا رامي .. لا اعتقد أنك تتصل بي الآن لتناقش معي هذا الموضوع .. خيرا هل جد جديد هل من فتاة أخرى ستتخذني معبرا إليها .؟ "
-         " أيها الغبي .. أنا لم أبدأ هذا الحوار السقيم بل بدأته أنت بملاحظاتك العبقرية عن النمش , ولم أكن لأصل لهذه النقطة من الحوار لولا تجاوبك معي وليكن في علمك أنا لم أخلق نفسي جميلا بل ولدت هكذا دون إرادة مني أما عن عقد ومركبات النقص التي تصر على أن تتحفني بها فيمكن أن تتفرغ لها فيما بعد ولكني عندي الآن خبر هام لك ... ( ثم بصوت منخفض يدل على خطورة الأمر ) لقد عاد مرة أخرى .؟ "
-         " ( بلهجة غير واعية ) من هو الذي عاد .؟ "
-         " عم محمد طبعا هو الذي عاد أيها المتخلف ."
-         " ................................"
-         " ما بك لماذا صمت هكذا , هيا تكلم "
-         " (بعد أن ثاب إلى رشده ) ولكن كيف يعود .؟ .. لا أحد يعود من هناك .؟ "
-         " ولكن هذا ما حدث فعلا لقد أبلغني تامر منذ ربع الساعة حالما أنهيت مكالمتي معه كلمتك على الفور "
-         " ( بدهشة ) تامر .؟ ( ثم بلهجة متشككة ) ولكن لحظة .. أيعرف تامر رقم تليفونك .؟ .. و لماذا لم يعطيني إياه لأكلمك .؟ "
-         " ( بأسلوب جاف عملي ) لأنني طلبت منه ذلك.. المهم كيف سنتصرف في هذه المصيبة .؟ "
-         " أية مصيبة .؟ "
-         " حازم .. لقد عاد الرجل مرة أخرى للمدرسة ."
-         " ( بخوف ) ربما هو واحد آخر يشبهه .)
-         " هل قال لك أحد أنهم يصنعون فراشي المدارس في خط إنتاج بأحد المصانع الصينية ويجب أن يكونون طوالا بيض شعر الرأس عصبيين دوما ."
-         " لا لم يخبرني أحد شيئا من هذا القبيل ."
-         " إذن كيف يتشابه رجل مع آخر ليس قريبه ولا يعرفه مع العلم أن الأول قد مات منذ ثلاث سنوات تقريبا ."
عندها تذكر حازم ما حدث أيامها فلقد كانت تجربة مروعة واسمها تجربة الموت وقد تعلمها رامي – ذات إجازة صيف - من ابن عمة له زعم أنه تعلمها في السودان حيث يقيم مع والديه وكانت تتلخص في وضع روح جني أو شيطان في جسد آدمي شرط ان يكون الآدمي ميت أو على وشك الموت حتى تنجح التجربة وجاءت رامي الفرصة الذهبية إذ وقع عم محمد فراش المدرسة من الدور الثالث وأصيب بتهتك في وضرر مريع في أحشاءه وذهبوا به للمستشفى وسمعنا أن الأطباء أقروا بأن أيام الرجل في الدنيا معدودات وقرر رامي أن يذهبوا إلى الرجل في المستشفى ويجربوا التجربة قال ساعتها أنها الفرصة الوحيدة أمامنا و بالطبع كانت التجربة تحت ستار إنقاذ عم محمد من الوفاة ساعتها!ز
وقتها كنا سذج مجرد مجموعة من طلبة الصف الأول الثانوي وبالطبع انسقت أنا و محمود أيوب و تامر القصبي وأحمد رشاد وخالد حسين ومحمود عادل وراء السابع الذي كان رامي الروبي وترددت الكلمات حول سرير عم محمد بالمستشفى – الذي كان مستشفى خاصا لحسن الحظ – من فم السبعة في وقت واحد ونغمة واحدة :
"يا أهل الله
يا جن الأرض
تعيشوا هناك
اعطونا السر
الميت مات
في غيطه بات
مين جاب خبره
راعي بقره
سبعة مننا
سبعة منكم
خذوا الميت
ياللا خذوه ."
 ثم نرفعه كلنا سويا بأن يضع كل منا سبابة ووسطى ( يمين ويسار ) تحت جسد الميت نرفعه قليلا ثم يتلو رامي شيئا ما غامض لم نعرف ماهو أبدا وكان يصر دوما على إخفاؤه دونما أن يشرك معه في السر أحدا وعند تطبيق هذه التجربة على عم محمد استيقظ هو في الجزء الأخير من التعويذة بالضبط ونحن نبدأ  في حمله كل ما أذكره أن الرجل نظر إلينا بعينان متسعتان ثم أغمضهما مرة أخرى ولكن كلنا لاحظنا بعد وضع عم محمد على سريره مرة أخرى أنه يبدو عليه التحسن فهو يتنفس بضعف ولكن بانتظام وجلده بدا كما لو كان اقل شحوبا وحيوية.

الهم أننا عرفنا فيما بعد أن عم محمد قد توفى في المستشفى, داهمته نوبة قلبية ليلا ولم  ينقذه أحد فانتهت حياته بهذه البساطة وكلنا ظننا أن التجربة فشلت وانتهت عند هذا الحد.

وها هو رامي الروبي يعود مرة أخرى مذكرا إياي بهذه القصة الكئيبة.
"-هل مازلت معي يا ولد؟ هل تصغي لما اقول أم أنك أصبحت مصابا بالصمم؟."
"-لا .. أنا أسمعك بوضوح .. وماذا تريد مني الآن يا رامي؟"
"-سنذهب إلى المدرسة لنرى كيف عاد عم محمد من الموت."
"-لكن..."
"-يا أخي مازلت كما أنت جبانا رعديدا .. كنت أعرف أنك سترفض ولهذا تركتك للآخر، إسمع يا حازم لقد دعوت كل الرفاق القدامى الذين حضروا تجربة إعادة عم محمد لكي نذهب إلى المدرسة الليلة ونرى بأم أعيننا كيف عاد الرجل وكيف هو حاله.. فإنك إما أن تكون معنا أو علينا."
"-................"
"-إسمع يا حازم أنت تعلم أن الرجل يقيم بالمدرسة ولا يقيم معه أحد.. الموضوع لن يستغرق أكثر من 15 دقيقة سندخل المدرسة نرى حال الرجل ونخرج في هدوء نعود لبيوتنا لننعم بالأمان.. والآن للمرة الاخيرة هل انت معنا أم علينا؟"
"-معكم .. متى اللقاء؟"
"-الساعة الثانية بعد منتصف الليل عند الباب الخلفي للمدرسة..تمام؟"
"-تمام، أراك هناك."
"-حسنا سلام."
"-سلام"
**********
في تلك الليلة حدث الأمر سريعا ذهبنا كلنا إلى المدرسة وتسللنا عبر السور للداخل وما أن اقتربنا من غرفة عم محمد بالطابق الأرضي حتى رأينا الرجل كما نذكره تماما وقت وجودنا بالمدرسة، نفس الطول الفارع والهيئة النحيلة والشعر الأشيب الذي يغطي كامل الرأس برغم برغم سنوات عمره التي تجاوز الستين بسنين.
كان الرجل يلبس جلبابه الصعيدي المميز جالسا على الأرض يدخن النرجيلة وما أن لمحنا على باب غرفته حتى بدأ في الصياح وقام من مكانه في اقل من ثانية لتبدأ مطاردة عجيبة من رجل عجوز سبعيني لمجموعة من شباب الجامعة داخل مدرستهم الثانوية السابقة، لم أدر بحالي إلا وأنا أركض بكل قوتي حتى لمحت السور من حيث ما دخلنا فقفزت اعلى السور للسخارج في حركة واحدة لأواصل الركض حتى وصلت للبيت، لم أسأل أي من رفاقي بعدها عما حدث ولم أعرف كيف عاد عم محمد من الموت وطاردنا في المدرسة بنفسه.
**********
بعد هذا الموقف بعشر سنوات قابلت رامي الروبي مرة أخرى بالمصادفة في القنصلية المصرية بـ(جوهانسبرج) كنت أجدد جواز السفر وبعد السلامات والتحيات عاد الحوار مرة أخرى وسألت رامي وأنا أخفض صوتي:
"-ترى مذا حدث معك في تلك الليلة؟"
"-أي ليلة؟"
"-ليلة اقتحامنا للمدرسة لنرى عم محمد"
فانفجر رامي ضاحكا ومن بين ضحكاته سألني:
"-ألم تسأل نفسك ولو مرة لماذا عدنا كلنا تلك الليلة للمدرسة؟"
"-لكي نتأكد أن عم محمد عاد من الموت بالطبع."
"-وهل يعود الموتى يا متخلف؟"
ثم تعالت ضحكته مرة أخرى وهو يقول:
"-كان مقلبا .. كنا جميعا في الثانوية العامة فشلة وأنصاف فشلة وكنت انت الوحيد فينا الذي دخل كلية من كليات القمة وكنت حينها عدت من السفر لأدخل معهد كمبيوتر في 6 أكتوبر، وعندما التأم شمل الشلة كلها جاءتنا الفكرة ان نصنع فيك مقلبا لنضحك قليلا."
غلى الدم في عروقي من كلماته وفكرت للحظة ان أحمل مطفأة الحريق بجانبي وأنهال بها لأكسر جمجمته ثم بعد تفكيري لثوان وجدت أن الأمر تم منذ زمن وكان مقلبا من صديق الطفولة وأنه ليس بهذا السوء فسالته:
"-وعم محمد .. هل عاد من الموت فعلا؟"
"-لا أحد يعود من الموت يا عمر، كان الفراش الذي رأيناه احد أقرباء عم محمد وقد ساعد الشبه والليل على اقناعك بالأمر، أتعرف .. أنت الوحيد فينا الذي جرى ولو كنت توقفت لثلاث ثوان لكنت رايتنا جميعا غارقين في الضحك."
ثم وهو يضحك                                                                                                
"-لقد ضحكنا على منظرك وأنت تجري في المدرسة وحدك ثم تقفز من فوق السور لسنوات يا رجل."
عند هذا الحد لم أستطع قمت وخرجت من باب القنصلية أريد أن ابتعد عن رامي وعن كذبه العابر للزمن.
x

الخميس، 29 أغسطس 2019

مكالمة من البيت

مكالمة من البيت

دخل أحمد منزله في الثانية عشرة صباحاً عائدا من عمله متأخرا كالعادة متوقعا الا يجد أحدا بالمنزل بعد خناقة الصباح مع زوجته التي قررت الذهاب الى امها.
أثناء فتحه لباب الشقة لاحظ صوت بالداخل وعرف أن زوجته تشاهد التليفزيون بغرفة النوم ولم تذهب الى والدتها كما هددته واسعده هذا للغاية.
وضع الموبايل والمفاتيح والمحافظ على الكونسول المجاور لباب الشقة، ولأن الجو بارد وهو قد شرب الكثير من البيبسي بعد وجبة الكبدة التي تناولها مع زميلة حسين في الشركة تذكر بمجرد دخوله الشقة مثانته الممتلئة وذهب رأسا للحمام وهو يصيح ليُسمع زوجته في غرفة النوم:
"لقد عُدت يا مها.. جيد انك لم تغادري."
ثم اغلق على نفسه باب الحمام ليستمتع بالتخلص من المياه الزائدة في جسمه وأثناء ذلك سمع طرقا خفيفا خجولا على باب الحمام ثم صوت مها تسأله في رقة:
"احمد هل ستتعشى؟ أنا لم اتعشى بعد في انتظار مجيئك."
فأحس أن زوجته تريد أن تصالحه بعد الخناقة الكبيرة التي دارت قبل نزوله للعمل وتذكر ايام زواجهما الأولى عندما كانا يأكلان كل الوجبات سويا ولا يفوت اي منهما فرصة للقرب من الاخر إلا واغتنمها، وأسعده ذلك للغاية فرد على زوجته:
"حسنا يا حبيبتي.. أمهليني دقيقة لأخرج."
أنهى ما كان يفعله ثم وقف يغسل يديه وينظر إلى لحيته النصف نامية في وجهه وتذكر أنه لم يحلق لحيته منذ أربعة أيام، اي منذ بدأت المشاكل مع مها.
حقا لم يجد لديه البال الرائق والمزاج لكي يقوم بالحلاقة دونما أن يجرح نفسه، وفكر الآن أن الوقت قد حان - بعد مصالحة مها والعشاء الثاني! - لكي يحلق لحيته.
اثناء خروجه من الحمام سمع نغمة اغنية شط اسكندرية لفيروز والتي هي نغمة رنين الموبايل فبدلا من أن يدخل غرفة النوم ليكمل حديث الصلح مع زوجته توجه ناحية الكونسول في الصالة ليرى من يطلبه على الموبايل، (البيت) كذا ظهر الاسم على شاشة الموبايل مشيرا إلى أن المتصل زوجته، ابتسم وهو يفكر في نفسه أن الأمور لا تستحق كل هذا أن تطلبه على الموبايل في الصالة وهي في غرفة النوم، ورغم ذلك رد عليها بلهجة وادعة:
"نعم يا حبيبتي..ماذا تريدين؟"
بلهجة حادة:
"ماذا اريد؟..لماذا لم تتصل بي حتى الآن يا احمد؟ اليس من حقي أن تطمئن علي بعد خناقة الصباح؟"
فانقلبت سحنته واخذ ينظر للباب وهو يقول:
"وهل تتصلين بي الآن على الموبايل لتسأليني عن عدم اتصالي بك يا مها"
ثم وهو يسمع خطواتها قادمة من غرفة النوم تجاه المطبخ سألها:
"حسنا يا مها يمكننا أن نوقف هذه الألعاب التليفونية ونتقابل وجها لوجه وقولي لي ما يحلو لك."
سألته هي:
"وكيف أراك وجها لوجه وانت في العمل وانا عند ماما منذ الصباح؟"
فقال لها وهو يضحك:
"كيف ذلك يا مها انا اسمع صوت خطواتك في البيت، (ثم بسخرية)توضيح صغير انا في البيت يا مها."
فقالت:
"انا لست في المنزل يا أحمد ولا تتلاعب بي بهذا الكلام فهذا لن يحل المشكلة التي...."
فقاطعها منفعلا:
"اذن من الذي معي في البيت .. لقد.. لقد سألتني منذ دقيقة أن كنت سأتعشى ام لا معها"
فقالت مها مصدومة:
"من؟... من هي التي ستتعشى معك يا احمد؟ قل لي ؟"
فقال لها وهو ممتقع الوجه من الخوف:
"لا اعرف.. سأدخل المطبخ لاعرف"
فقال له مها فورا:
"لا تفعل .. فقط افتح باب الشقة ونادي على الجيران وقل لهم أنه حرامي في الشقة.. لا تدخل المطبخ يا أحمد .. لا تدخل"
فقال لها وهو منفعلا بالعصبية:
"كيف اخاف في بيتي .. سأدخل لأرى ما هناك"
ثم ترك الموبايل على الكونسول والخط مفتوح ودخل المطبخ.
...............
على الطرف الآخر من المكالمة تسع مها اصوات الخطوات وهو يمشي الى المطبخ
ثم صوت شيء يقع الارض ثم صوت احمد وهو يصيح بغضب:
"من انتي .. ماذا .. مستحيل.. "
ثم بعد ثوان :
"لااااااه ..."
ثم صوت ارتطام جسم ثقيل بالأرض ثم خطوات هادئه ثم فحيح خفيف ثم انتهت المكالمة.
تمت

الاثنين، 26 أغسطس 2019

كرسي خشب أثري

كرسي خشب أثري
"لما كنا اطفال صغيرين أنا و أختي سماح اسرتنا اتنقلت لبيت ريفي قديم في بنها العسل، بابا كان دائما بيقول أنه السبب الرئيسي اللي خلاه يشتري البيت ده بجانب رخص ثمنه أنه مبني على النمط الاوروبي وده كان ملفت جدا في فترة التسعينات وكان شيء ملفت ومختلف عن بقيت البيوت اللي كنا نعرفها.
البيت كان دورين الدور الارضي كان عبارة عن صالة واسعة جدا ومجموعة غرف للخدم والخزين ومطبخ وحمام، والدور الثاني كان فيه صالة صغيرة وخمس غرف كبيرة عمرنا ما استخدمنا كل الغرف طول فترة اقامتنا في البيت رغم أنه كل الغرف كانت ليها ديكور جميل وكل غرفة كان فيها بلكونة الا اننا انا واختي كنا متعودين دايما نلعب في الصالة اللي في الدور الأول وكانت اكتر حاجة ملفتة في البيت بالنسبة لنا - انا واختي - شبح لطيف كان بيظهر لنا كل يوم تقريبا وبقول إنه كان لطيف لأنها كانت ست دائما لابسة عباية لونها ابيض وكانت دائما تبتسم لينا لما بتشوفنا بنلعب وبعدين تشوف الكرسي فين وتروح تقعد عليه.
الكرسي ده برضه كانت حكايته حكاية بابا كان شايف أنه تحفة أثرية وكذا مرة عرضه على حد من صحابه عشان يعرف الفترة التاريخية للكرسي لكن محدش قدر يجزم هو مصنوع في اي فترة بالظبط، فقد اختلفت الآراء حول الكرسي في اللي قال إن الكرسي من فترة المماليك وغيرهم جزموا برضه أن الكرسي من فترة الاتراك وفيه اللي قال لبابا أن الكرسي ده من عصر سيدنا سليمان وأنه له قوى خفية سحرية.
المهم أنه محدش خالص قدر يشوف الشبح اللطيف اللي كان مش بيفارقنا واللي كانت بتتعامل معانا بكل حب لدرجة إن اختي كانت بتقول عليها ماما!
قعدنا في البيت اربع سنين لغاية لما بابا اتوفى وماما فضلت تراعينا في البيت طول السنين دي لدرجة إني احيانا كنت بصحى من النوم عشان اشرب الاقي جنبي كوباية مية وأنا متأكد إن ماما الشبح هي اللي حطاها جنبي عشان مانزلش المطبخ بالليل لوحدي.
بعدها سبنا البيت وبناء على رغبة أمي روحنا تاني نعيش في القاهرة جنب خالي محمد والنهاردة بعد مرور أكثر من خمستاشر سنة على القصة دي وانا قاعد على الانترنت شوفت جروب عالفيس بوك بيعرض صور من جرايد ومجلات قديمة لفت نظري صورة للبيت اللي كنا فيه من جرنان قديم من الأربعينات ولما قريت الموضوع عرفت أن البيت ده كان مملوك لراجل انجليزي ومراته وكان عنده طفلين ولد وبنت وفيوم الست عرفت أنه جوزها بيخونها وقررت انها تنتقم منه راحت أعطت للولد والبنت كل واحد كوباية لبن مخلوطة بالسم وبعدين نزلت في الصالة وشنقت نفسها بعد ما وقفت على الكرسي .. الكرسي الخشب الاثري."

السبت، 24 أغسطس 2019

تحت السرير


أبدأ بوضع ابني ذي الأربعة أعوام في سريره وإذ به يقول:
" أبي، تحقق من الوحوش تحت سريري."
أنظر إلى الأسفل فقط من أجل إرضاءه لأراه هو هو لكن آخر، تحت السرير، يحدق بي بعينين مليئتين بالدموع مرتعشاً ويهمس:
" أبي، هناك شخص ما شبهي على سريري."
تمت

الجمعة، 23 أغسطس 2019

قبو المنزل الجديد

من مذكرات محلل نفسي

في إحدى جلسات التحليل النفسي قالت لي الصغيرة مي ذات الأعوام الأربعة:
"لا أعرف لماذا عادت تلك المرأة الشقراء حلمي مرة أخرى؟"
"لماذا تكرهينها يا مي؟"
(بلهجة متأففة)
"لأنها وفي كل مرة تخبرني أنني ابنتها وأن أمي ما هي إلا امرأة سرقتني منها من زمن."
"إنه مجرد حلم"
"وما أدراك؟.إنني أبدو حتى شقراء مثلها في حين أن أمي سمراء!!"
"هل لهذا تصرخين على أمك؟"
"لا أعرف فأنا لا أحب بيتنا الجديد."
"وما عيب بيتكم الجديد؟"
(وهي تبتسم وكأنها تتذكر)
"لا شيء إنه واسع ومشمس طوال اليوم والحديقة رائعة، (تقطب وجهها كمن تذكر شيئاً مخيفا)لكن القبو.."
"ماذا به؟"
"حسنا سأخبرك.. منذ انتقلنا للمنزل الجديد وأنا أسمع صوت كلب في القبو."
"ربما هو كلب الجيران لقد عرفت من أمك أن الفيلا المجاورة لكم بها أكثر من كلب."
"لا ليس كلاب الجيران، فكلاب الجيران كلهم كلاب كبيرة، أما هذا فصوت كلب صغير..ذلك الذي نسميه..."
"جرو؟"
"نعم ما أسمعه في القبو صوت جرو صغير يزمجر يخمش بمخالبه حائط القبو يتنفس بصوت عال بأنفاس متلاحقة."
"ثم؟"
"ثم لا شيء.. لم أستطع ولو لمرة واحدة أن أرى هذا الجرو..وذات مرة غافلت أمي ونزلت نحو القبو وبمجرد أن فتحت القبو وانحنيت لأرى ما بالأسفل وجدت أمي خلفي وهي تصيح وتهددني أنها سوف تحبسني في غرفتي لبقية الأسبوع..(ثم وهي تعتدل في جلستها كمن يقر أمرا واقعا) حسنا سأخبرك لم يحدث أن صاحت علي أمي أبدا بهذه الحدة من قبل لذا سيطر علي الخوف ولم أعد للقبو أبدا من تلك المرة."
(نظرت في ساعتي ثم قلت لها)
"حسنا يا مي.. انتهت جلستنا لهذا الأسبوع..أراك الأسبوع المقبل."
"حسنا يا دكتور.. سلام.(تنزل من على الكرسي وتتوجه ناحية الباب ثم تتوقف كمن يريد شيئا اخر)دكتور..قبل أن أغادر هل يمكن أن أسألك سؤالا؟"
"أي سؤال يا مي؟"
"لماذا كان الجرو الصغير في قبو منزلنا يبدو غريبا؟"
(اعتدلت في جلستي وأنا أسألها)
"وكيف كان يبدو يا مي؟"
"كان يبدو لي مثل ولد يزحف على بطنه وليس له يدان أو قدمان."(ثم غادرت العيادة فوراً تاركة إياي مذهولا)
تمت

الأربعاء، 23 يناير 2019

الحب في زمن الثورة (٤)

بمجرد أن انتهت من تثبيت البروش الماسي بياقة (شيرين) رجعت للخلف لتملأ عينها  من صورة ابنتها الشابة ثم  جلست (أماندا) على سرير (يامن) قبالة (شيرين) التي جلست هي الأخرى على سريرها واستندت للحائط البارد مستشعرة لسعة البرد في مؤخرة عنقها ونظرت ل(شيرين) نظرة خاوية، نظرة من يرى الان مشهدا من الذاكرة وقالت:
"سوف احدثك اليوم ليس كأم تحدث ابنتها بل كامرأة تتحدث مع امرأة، وكلي أمل أنك سوف تفهمين وتقدرين ما ستعرفين.
في ذات يوم بارد من يناير كانت جلسة طلاقي من (علي)، وكانت جلسة ودية بحضور محامية مشتركة، بكيت وبكى، مما دعا المحامية للتوقف مندهشة لتذكرنا بأن الطلاق خيار، وانه مجرد اجراء يمكن التراجع عنه في اي لحظة، حتى بعد اتمامه.
ومن بين دموعنا طلبنا منها ان تستمر، واستمرت لتنهي زواجا دام أحد عشر عاما او أكثر.
ما حدث بعدها كان غريبا و صادما: بعد عودتي الى بيت جدك، انطبقت علي الجدران من كل الجهات، اختنقت وكدت افقد صوابي، فخطفت معطفي وجريت الى الشارع، وبعد لحظات وجدتني أمام بيت أهل (علي) القريب من بيت جدك، وفي نيتي ان اطلب منه ان نتوقف عن هذا الجنون ونعود لسابق حالنا.
لكن بمجرد ان رفعت يدي باتجاه جرس الباب، تصلبت أطرافي بالكامل، كما لو ان شللا مفاجئا أصابها. وقفت بلا حراك زمنا طويلا لم اعد اذكره، ربما ثلث ساعة أو أكثر. راسي منحنية الى أسفل ويدي معلقة في الهواء، وشيء في داخلي يقول: لا!
بعد عشرين دقيقة او اكثر عدت أدراجي.
اليوم اتذكر هذه اللحظات الدقيقة من عمري وأقول، ماذا لو أنني طرقت  الباب ساعتها، او اطل هو فجاة من النافذة؟ ما الذي كانت ستكون عليه حياتي الان؟
رغم الضعف، والتردد والشك يظل في أعماق كل واحد منا صوت هش، ضعيف، خائف، مهمل ومسكين، يخبرنا بِما يليق بِنَا، وبما يجب أن نفعله ويخصنا وحدنا.
الحياة مربكة والبشر مركبون، لكن هذا الصوت البعيد، الخافت، الذي بالكاد نسمعه وبالكاد نميزه من بين بين كل الأصوات والضجيج والفوضى، هو وحده الذي انقذني من نفسي لأن النفس احيانا تعادي صاحبها، وتنقلب عليه تماما كجهاز المناعة او أي عضو آخر فيه.  وهو ليس بالضرورة صوت المنطق، لأن المنطق قد يكون في منطقة اخرى، او في منطقة بين المنطقتين، او قد لا يكون أبدا، لكنه صوت حقي الشخصي، الحق الأقرب انصافا لي وعدلا مع (علي)، ورحمة بنا جميعا،
وها أنا ذا بعد كل هذه السنين أدين بتقدمي في الحياة وحفاظي عليكم لهذا الصوت.. الصوت الذي أخبرني بما عليّ فعله بالضبط."

#الحب_في_زمن_الثورة
#رواية
#ابراهيم_جمال
#معرض_الكتاب_2020