الأحد، 29 سبتمبر 2019

النداهة


365

الاربعاء 2 يناير 2019

طبعا لم أكن أعلم كل هذه التفاصيل عن فهمي وفهمي لمن لا يعرف منكم هو صديق دراسة قديم وقد التقينا عدة مرات في اكثر من مناسبة في مصر وخارجها، وكان دوما انطباعي الثابت عن فهمي أنه هو الشخص المحترم ذي الأصول العريقة وأن عائلته لأمه هي عائلة رفعت التركية الشهيرة أصحاب سلسلة محال الملابس الراقية في جميع أنحاء الوطن العربي وكذلك عائلة أباه من أقدم عائلات الشرقية ولهم مزارع فواكه منتشرة في جميع أنحاء مصر، باختصار كان فهمي في أثناء وبعد دراستنا الجامعية يمثل الطبقة الأرستقراطية العتيدة القوم الذين اعتادوا إصدار الأوامر لا تلقيها!

ولأنني كنت ومازلت ماهرا في تعلم اللغات وبخاصة اليونانية والتركية القديمة فقد صار فهمي رفيق درب بالنسبة لي، كانت دروس اللغة التركية بمثابة المضمار الذي تتنافس فيه شخصيتينا كان المضمار الأساسي بجانب حب فاطمة الوكيل الذي كان مضمارا اخر نتنافس فيه نحن الاثنين مع كافة شباب دفعة كلية الآداب للعام 1973 جامعة القاهرة!

لكن ما اشركني في قصة فهمي وعرفني بها وجعلني تحكيها لكم اليوم ليس فهمي شخصيا فأنا لم ألقاه منذ أكثر من ثمانية عشر عاما عندما تقابلنا في أول سبتمبر 2001 في منهاتن، وأقول لكم أن ما أشركني في قصة فهمي هو حدث جرى في نهاية العام الماضي أكسبني العديد من مصادر المعرفة ولن أستطيع التفسير أكثر من ذلك الآن وإن كنت سوف اعود لهذا الحدث لاحقا متى سمحت لي الأطراف المعنية المشتركة معي في هذا الحدث أن احكي عنه.

باختصار ودون تفاصيل ليس لها لزوم فقد ذهبت إلى المستشفى لألقى فهمي وحكى لي -ما عرفته سلفا- ما حدث له من جلسة الميراجواي ونصيحة هاري عن النصاب كولبي ذي المثانة الخربة وقد أخفيت عنه غرضي من الزيارة وعرضت عليه المساعدة فرحب بها وأشرت عليه بطلب المساعدة من السير بيرجندي وقد فعل وحدث ما علمتموه في الفصل الاول.

وها قد وصلنا للفصل الثاني حيث سيروي فهمي حكاية أخرى فقد احتكم الأمر ووجب عليه -طبقا لقانون الجانب الآخر- أن يحكي لمدة سنة .
**************
عرفت أن ابراهيم سوف يأتي بعد جلسة الميراجواي وقد ذكرني بنصيحة هاري وعرض على الوساطة وقد فعل وحصل لنا على صفقة جيدة، ولكن هذا هو اليوم الثاني وقد وجب الحكي ولكن حكاية اليوم من نصيب أحد المجنونان المرافقين لي وسوف اتركه معكم.
***************
انا المجنون الأول أو بمعنى آخر أنا الدكتور مينا كيرولس دانيال كنت رئيس الجمعية الجغرافية الوطنية المصرية وزميل الجمعية الجغرافية الأمريكية والبريطانية أيضا عملت طوال حياتي على إثراء المحتوى الجغرافي عن مصر وخرائطها وتضاريسها وكانت زوجتي إيريني هي رفيقة الدرب حتى وفاتها وهي في شرخ الشباب منذ أكثر من عشرين عاما كنت أنا وإيريني نزور إحدى قرى الحدود ناحية جبل العوينات والقرية عبارة عن واحة صغيرة تتمحور كلها حول بئر كبير في منتصف القرية بالضبط.

كان سويري هو الدليل الذي دلنا في الصحراء حتى وصلنا الواحة من خارج الواحة ولكنه كان من عائلة تنتمي لأحد افخاذ نفس القبيلة التي تعيش في القرية وعندما وصلنا للواحة سألني عن الوقت الذي نحتاجه لننهي اعمالنا فأخبرته اننا سوف نحتاج ثلاثة أيام فأخبرني بمرح أنه إذن لن يبيت معنا الليلة في الواحة فهو سيأخذ الجمال الأربعة إلى واحة مجاورة لتأكل وتستريح وله فيها أيضا زوجة من زوجاته الأربع وأنه سوف يعود لنا بعد مرور أربعة أيام نكون فيها قد أنهينا العمل، ثم بعد أن تطمئن علينا في خيمتنا أخذ يجهز الجمال للرحيل ثم تنحى بي جانبا وهو يقول بصوت خفيض"يا دكتور مينا بالله عليك لا تتجول كثيرا في الليل هنا." وعندما سألته عن السبب وإذا ما كانت هنا حيوانات مفترسة أو ما شابه فأخذ يضحك وهو يقول "لا توجد هنا اي حيوانات مفترسة، ولكن توجد المزييرة، تنادي عليك طول الليل نصحى الصبح نلاقيك فارقت عقلك واتجنيت." فنظرت له باستخفاف وقلت "لا تقلق علي يا سويري."

كنا وقتها في منتصف التسعينات وكانت وسائل الاتصال ماتزال محدودة ولكن القرية وسكانها البدو كانت اكتشاف مذهل وقضينا يومين وليلة في سعادة بالغة من اكتشافنا الجديد ولكن في الليلة الثانية وانا نائم في الخيمة سمعت من يناديني باسمي الاول (مينا) في البداية ظننت أنه اختلط الأمر علي وان هناك أحد البدو ينادي على رفيق له خاصة أنهم منحونا خيمة فوق تبة صغيرة جدا تعتبر فعليا خارج محيط قريتهم، لكنني ومع التكرار انتبهت إلى أن الصوت المنادي ليس لرجل بل هو صوت أنثوي وهو يشبه كثيرا صوت زوجتي ! زوجتي التي تنام بجانبي ولا تدري شيئا عما يحدث، فكرت أنها ربما تكون إيريني هي مصدر الصوت ولكن كيف وهي نائمة بجواري والصوت قادم بوضوح من الخارج؟ في النهاية ومع استمرار ذلك النداء قررت استطلاع الأمر فقمت من رقدتي وخرجت من خيمتي وأنا متحفز للغاية ولم يكن معي سوى سكين رفيع صغير يشبه السونكي امسكته في يمناي وانا اتخذ وضعا دفاعيا والكشاف الصغير في يسراي ثم خرجت من الخيمة.

ما أن خرجت من الخيمة حتى واجهني الكثير من الرمال التي تثيرها الرياح في وجوه القادمين في الليل وعرفت أن هذه بدايات عاصفة رملية وحدثتني نفسي أن أرجع إلى الخيمة أحتمي بها من الرمال ولكنني كنت خائفا أكثر من الصوت الذي يناديني بإلحاح فقررت أن ادور حول الخيمة دورة أو اثنتين لتفقد الأمر فإن لم أجد ما يريب ولم أعرف مصدر الصوت فلتكن الليلة كما هي ولنقضيها بأي صورة في الخيمة ونرحل بعدها في الصباح، لم أجد شيئاً ما يريب في الدورة الأولى حول الخيمة وان استمر الصوت في النداء ثم في الدورة الثانية وقبل أن أصل لباب الخيمة مباشرة وجدتها أمامي واقفة في الظلام والهواء المحمل بالرمال يطير شعرها لأعلى فتبدو كواحدة من بنات الجن فتذكرت في التو الآية في الكتاب المقدس "وَاذَا كَانَ فِي رَجُلٍ اوِ امْرَاةٍ جَانٌّ اوْ تَابِعَةٌ فَانَّهُ يُقْتَلُ. بِالْحِجَارَةِ يَرْجُمُونَهُ. دَمُهُ عَلَيْهِ." فما انتبهت لحالي الا وانا راقد فوق بنت الجن أطعنها في قلبها في بطنها في ذراعيها وهي لا تقاوم وان كانت ضحكتها تصك اذني وكلما زادت الطعنات زادت الضحكات وكلما سمعت الضحك أعلى زاد نشاطي لأطعنها لأقتلها واخلص العالم من شرورها وهكذا حتى رحت في إغماءة طويلة وعند الفجر استيقظت ووجدت نفسي داخل الخيمة مكبل بالحبال سألت الأعراب لم تربطونني فلم يجبني أحد وإن أتى أحدهم وقدم لي بعض التمر واللبن دسه دسا في فمي بلا كلام فعرفت أنه يريد مني أن أكل فأكلت ثم تركوني وحدي فأخذت افكر ربما التي هاجمتني في الليل هذه احدى نسائهم وغالبا سوف يعاقبونني على ما فعلت واخذت انادي على إيريني التي لم اعرف اين هي الآن ولكنني كنت واثق أنهم لن يؤذونها فهي لم تفعل شيئا وأخذت انادي وانا مقيد بعمود الخيمة لا استطيع الفرار حتى جاءتني إغماءة أخرى أفقت منها ربما عند الظهر على وجه سويري وهو يناديني لكي استفيق وعرفت منه أنهم احضروه بسرعة ليأخذني لأقرب نقطة شرطة في العوينات وعندما سألته عن سبب ذهابي للشرطة فأخبرني وهو مندهش "لأنك قتلت زوجتك ليلة أمس يادكتور."

تمت

******
ثم كان كلامي:
ترى هل حاز الكلام على الاهتمام
ترى هل من مخرج لشقي أعرج
هل أرضاكم الكلام يا سادة الظلام
******
وكان رد الليدي فلافيا:
سنرى كيف تجاوبك أيها الفاني
ولا تستعد بروحك للفرح أو التهاني
فكل داخل لعالمنا مفقود
حتى وإن كافح لعقود
الى الغد لقاءنا إذن يا فاني.

السبت، 14 سبتمبر 2019

365يوم رعب، اليوم 1

365يوم رعب
الثلاثاء 1 يناير 2019

اليوم هو الثلاثاء أول أيام السنة الجديدة التي من الواضح أنها سوف تكون رائعة وهل هناك ما هو أجمل من أن تبدأ السنة بيوم ثلاثاء!

والأجمل من ذلك أن هذه السنة أول سنة لي منذ عقود سأقضيها وحدي في المصحة فقد أثمرت مؤامرات إخوتي علي أخيرا وأدخلوني المصحة النفسية حيث سأقضي بقية أيامي، ولأنني غير عاقل وفاقد الأهلية فإن كل أملاكي - التي هي ميراث خاص عن جدي لأمي - صارت في يد أخوتي الشياطين الثلاثة فوزي وفوزية وفريدة وصرت أنا فهمي نور الدين خورشيد مجرد نزيل مخبول آخر في مستشفى عكاشة النفسي.

ليست هذه الأحداث هي كل ما يشغلني فأنا فعليا محتجز في المصحة منذ أكثر من شهر ولكن ما حدث بالأمس هو ما كان له العجب فقد رأيت نايل أخيرا وحضرت معه الكينونة وكان معه لفيف من الإخوة الكرام أصحاب رايات الددن وكان ذلك بعد أن أقدمت أنا واثنان من النزلاء الأفاضل هنا على عمل حلقة ميراجواي بالأمس وبالرغم أن هاري حذرني منذ أكثر من خمس سنين عندما تقابلنا في مقهى زهرة فينوس في منهاتن حذرني وشدد علي ألا أقوم بأي حلقات ميراجواي إلا في وجود سام كولبي النصاب اليهودي ذي المثانة الخربة لأنه معه كلمات اغنية العودة، إلا أنني لم أكترث  وصرت من كثرة مجاورة المجانين مجنونا أنا الآخر.

المهم أن السير بيرجندي عندما كنت في حضرته أنا والمجنونان الآخران أراد أن يقدم لي هدية وطريقا للخلاص من براثن حلقة الميراجواي التي ما أن تنطبق على روحي حتى تنتهي الحياة نفسها، وكانت هدية السير بيرجندي هي أنه طلب من الكونتيسة فلافيا أن تقدم لي مخرجا فوق العادة - وأن يكون مناسبا لحالتي الصحية حيث أنني فوق الستين - ومن ثم فقد فاق كرم الليدي فلافيا الحدود وطلبت مني أن أقص.

والقصص لعمري كانت دوما وسيلة كريمة من سادة جانب النجوم لمعرفة معدن زوارهم من البشر ولكننا لم نكن - أنا والمجنونان الآخران - زوارا بالمعنى المفهوم ولكننا وعبر حلقة الميراجواي كنا مجموعة من المتطفلين المتلصصين على السادة وكان من الطبيعي أن يكون جزاؤنا الموت لولا شفاعة السير بيرجندي وكرم الليدي فلافيا إذ طلبت مني أن أقص لمدة سنة وسيسمع السادة للقصة وإن حازت على الاهتمام صارت لنا حرية العودة.

ومن هنا بدأت القصص كل يوم قصة وسيكون معي من مشرق الشمس لمغربها وحينها يجب أن يكون لدي شيء لأقصه وإلا فإنها النهاية.

وعليه فإن اليوم هو الثلاثاء أول يوم من السنة الجديدة وأول قصة من القصص التي أرويها للسادة لعلنا - أنا والمجنونان الآخران - ننال العفو لنعود لحياتنا الدنيا بمصحة عكاشة.

*****
حكاية 1
مكالمة من البيت

دخل أحمد منزله في الثانية عشرة صباحاً عائدا من عمله متأخرا كالعادة متوقعا الا يجد أحدا بالمنزل بعد خناقة الصباح مع زوجته التي قررت الذهاب الى امها.
أثناء فتحه لباب الشقة لاحظ صوت بالداخل وعرف أن زوجته تشاهد التليفزيون بغرفة النوم ولم تذهب الى والدتها كما هددته واسعده هذا للغاية.
وضع الموبايل والمفاتيح والمحافظ على الكونسول المجاور لباب الشقة، ولأن الجو بارد وهو قد شرب الكثير من البيبسي بعد وجبة الكبدة التي تناولها مع زميلة حسين في الشركة تذكر بمجرد دخوله الشقة مثانته الممتلئة وذهب رأسا للحمام وهو يصيح ليُسمع زوجته في غرفة النوم:
"لقد عُدت يا مها.. جيد انك لم تغادري."
ثم اغلق على نفسه باب الحمام ليستمتع بالتخلص من المياه الزائدة في جسمه وأثناء ذلك سمع طرقا خفيفا خجولا على باب الحمام ثم صوت مها تسأله في رقة:
"احمد هل ستتعشى؟ أنا لم اتعشى بعد في انتظار مجيئك."
فأحس أن زوجته تريد أن تصالحه بعد الخناقة الكبيرة التي دارت قبل نزوله للعمل وتذكر ايام زواجهما الأولى عندما كانا يأكلان كل الوجبات سويا ولا يفوت اي منهما فرصة للقرب من الاخر إلا واغتنمها، وأسعده ذلك للغاية فرد على زوجته:
"حسنا يا حبيبتي.. أمهليني دقيقة لأخرج."
أنهى ما كان يفعله ثم وقف يغسل يديه وينظر إلى لحيته النصف نامية في وجهه وتذكر أنه لم يحلق لحيته منذ أربعة أيام، اي منذ بدأت المشاكل مع مها.
حقا لم يجد لديه البال الرائق والمزاج لكي يقوم بالحلاقة دونما أن يجرح نفسه، وفكر الآن أن الوقت قد حان - بعد مصالحة مها والعشاء الثاني! - لكي يحلق لحيته.
اثناء خروجه من الحمام سمع نغمة اغنية شط اسكندرية لفيروز والتي هي نغمة رنين الموبايل فبدلا من أن يدخل غرفة النوم ليكمل حديث الصلح مع زوجته توجه ناحية الكونسول في الصالة ليرى من يطلبه على الموبايل، (البيت) كذا ظهر الاسم على شاشة الموبايل مشيرا إلى أن المتصل زوجته، ابتسم وهو يفكر في نفسه أن الأمور لا تستحق كل هذا أن تطلبه على الموبايل في الصالة وهي في غرفة النوم، ورغم ذلك رد عليها بلهجة وادعة:
"نعم يا حبيبتي..ماذا تريدين؟"
بلهجة حادة:
"ماذا اريد؟..لماذا لم تتصل بي حتى الآن يا احمد؟ اليس من حقي أن تطمئن علي بعد خناقة الصباح؟"
فانقلبت سحنته واخذ ينظر للباب وهو يقول:
"وهل تتصلين بي الآن على الموبايل لتسأليني عن عدم اتصالي بك يا مها"
ثم وهو يسمع خطواتها قادمة من غرفة النوم تجاه المطبخ سألها:
"حسنا يا مها يمكننا أن نوقف هذه الألعاب التليفونية ونتقابل وجها لوجه وقولي لي ما يحلو لك."
سألته هي:
"وكيف أراك وجها لوجه وانت في العمل وانا عند ماما منذ الصباح؟"
فقال لها وهو يضحك:
"كيف ذلك يا مها انا اسمع صوت خطواتك في البيت، (ثم بسخرية)توضيح صغير انا في البيت يا مها."
فقالت:
"انا لست في المنزل يا أحمد ولا تتلاعب بي بهذا الكلام فهذا لن يحل المشكلة التي...."
فقاطعها منفعلا:
"اذن من الذي معي في البيت .. لقد.. لقد سألتني منذ دقيقة أن كنت سأتعشى ام لا معها"
فقالت مها مصدومة:
"من؟... من هي التي ستتعشى معك يا احمد؟ قل لي ؟"
فقال لها وهو ممتقع الوجه من الخوف:
"لا اعرف.. سأدخل المطبخ لاعرف"
فقال له مها فورا:
"لا تفعل .. فقط افتح باب الشقة ونادي على الجيران وقل لهم أنه حرامي في الشقة.. لا تدخل المطبخ يا أحمد .. لا تدخل"
فقال لها وهو منفعلا بالعصبية:
"كيف اخاف في بيتي .. سأدخل لأرى ما هناك"
ثم ترك الموبايل على الكونسول والخط مفتوح ودخل المطبخ.
...............
على الطرف الآخر من المكالمة تسع مها اصوات الخطوات وهو يمشي الى المطبخ
ثم صوت شيء يقع الارض ثم صوت احمد وهو يصيح بغضب:
"من انتي .. ماذا .. مستحيل.. "
ثم بعد ثوان :
"لااااااه ..."
ثم صوت ارتطام جسم ثقيل بالأرض ثم خطوات هادئه ثم فحيح خفيف ثم انتهت المكالمة.
تمت
******
ثم كان كلامي:
ترى هل حاز الكلام على الاهتمام
ترى هل من مخرج لشقي أعرج
هل أرضاكم الكلام يا سادة الظلام
******
وكان رد الليدي فلافيا:
سنرى كيف تجاوبك أيها الغاني
ولا تستعد بروحك للفرح أو التهاني
فكل داخل لعالمنا مفقود
حتى وإن كافح لعقود
الى الغد لقاءنا إذن يا فاني.

الخميس، 12 سبتمبر 2019

الباب الاليكتروني


الباب الاليكتروني

لقد كان ( زكي المصيلحي ) أو الدكتور كما يطلق عليه سكان البناية والبنايات المجاورة عجوزا أشيب يعيش وحيدا في فيلا معزولة بالمعادي وكان الدكتور من أوائل الناس اللذين ركبوا نظام إنذار إليكتروني أمريكي يعمل في حالات الطوارئ سيما في السرقة والحريق وغيرها من الحالات التي تستدعي وجود رجال الأمن والطوارئ في المنطقة ولم تمر السنة عليه – ( زكي ) والنظام كلاهما -  إلا وكان قد عدل هذا النظام بنظام ألماني آخر أحدث وأكثر تطورا يسمح بالاتصال برجال الأمن أوتوماتيكيا عبر مكبر الصوت المتصل بالهاتف وبالطبع كان لمكبر الصوت عدة أجهزة في كل غرفة من غرف المنزل وصار اللقب الذي يطلق على (زكي) هو اسم على مسمى فقد حصن االدكتور بيته جيدا ضد الطفيلين والمعتدين من الخارج بل قام بإضافة ابواب أتوماتيكية تعزل كل دور في الفيلا عن الآخر وكان جهاز مناعته هو النظام الاليكتروني ومع الوقت تبين لزكي الكثير من إمكانيات النظام الجديد لفتح وغلق الأبواب بدقة لا متناهية حتى أنها صارت مثل أبواب المخابرات التي في قصص الخيال العلمي تفتح باستخدام بصمة الصوت ولما كان النظام لا يستغني عن الكهرباء فقد أمن (زكي) مصدر دائما للكهرباء خلاف المولد الاحتياطي الذي يعمل في خلال أقل من ثانية  من فصل التيار الرئيسي , وصار (زكي) فخورا جدا بنظامه الاليكتروني الذي حول فيلته لقلعة حربية إليكترونية لا تقتحم ولا يختلس منها شيء أبدا , ولكن ماحدث بعد ذلك كان مأساويا فقد غاب (زكي) عن المنطقة لفترة تزيد على الشهر  وعندما عاد وجد أن البواب وأسرته قد ماتوا من الجوع نعم ماتوا من الجوع.

يقول الشهود الذين دخلوا الفيلا بعدما اتت الشرطة ان الجثث الأربع للغففير وزوجته وابناه كانت ممددة بجوار الباب الرئيسي في محاولة يائسة للوسول للخارج حتى ماتوا، لقد حبس المساكين كلهم في الطابق الارضي ولم يكن لهم من سبيل للخروج او الاتصال بالعالم الخارجي فالطابق الارضي لم يكن به تليفونات ولم يكن مع الغفير وأسرته موبايل أو أي شيء.

وعرف الجميع أن الباب انغلق على البؤساء حتى وفاتهم ولم يكن من مخارج أخرى من الدور فكانت التكنولوجيا الحديثة هي الملوم عن الوفاة.

لكن ما لم يقوله الدكتور أنه قام بعمل تحديث لنظام الدخول والخروج قبل سفره بيوم واحد وقام بتغيير الباسورد التي كان يعرفها البواب وعندما سافر الدكتور وفي اليوم التالي مباشرة دخل البواب واسرته لينعموا بالإقامة في فيلا الدكتور فما كان من الدكتور زكي إلا أن أغلق نظام الأمان عليهم عبر الانترنت وعطل نظام الاتصال بالشرطة فقام بعزلهم تماما ثم نسي أمرهم..هكذا ببساطة.

تمت

شبح المدرسة


-         " ألو . ؟ "
-         " ألو .. أمن الممكن أن أكلم حازم لو سمحت .؟ "
-         " أنا هو , من المتكلم .؟ "
-         " كيف حالك يا ولد .؟ وكيف حال الرفاق .؟ ماذا ألم تتعرف على صوتي بعد يا ذكر الخنفسة..؟ يالك من متخلف هاهاهاهاهاهاهاها "
-         " ( بدهشة ممزوجة بالفرح ) متخلف ..؟ إذن أنت رامي .. رامي الروبي .. كيف حالك أيها الشنقيط .؟ وأين هي أراضيك الآن .؟ ولم لم تتصل منذ فترة .؟ آه لحظة .. هل ذلك لأنك توفيت؟ وكيف تكلمني الآن إن كنت متوفيا أصلا .؟ .. "
-         " إسأل نفسك أيها الحمار .. كيف لي ان أكلمك تليفونيا وأنا متوفى .. يسعدني أن أخبرك يا حازم يا صعيدي بأنك مازلت أحمقا ومتخلفا أيضا برغم أنك الوحيد في الشلة الذي دخل كلية الهندسة."
-         " ( مغيرا دفة الحوار برقة , بعدما احمرت أذناه من الخجل ) ولكن قل بالله عليك كيف حالك الآن وأين تسكن ولماذا رحلت أنت واهلك من المدينة بهذه السرعة إنك حتى لم تنتظر امتحانات نصف العام ولم تحاول أن تودع أحد بل لقد علمنا نبأ رحيلك من جارك ذي النمش في وجهه."
-         " من هذا أيضا .؟ "
-         " ذاك الفتى البدين الخجول الذي كان يسكن في الشقة التي تجاور شقتكم .. أعني إبان سكناكم في المدينة ."
-         " ( بلهجة من يتذكر ) آه سلطان .. لابد أنك تقصد سلطان لكني لم أعرف أن سلطان لديه نمش من قبل ولكنها ملاحظة دقيقة من عبقرينو الشلة."
-         " كيف لم تلاحظ ذلك؟ .. إنه يغطي نصف وجهه على الأقل "
-         " حسنا يا عم المفتش السري , لا تعايرني بدقة ملاحظاتك , أنسيت العام الأخير لي معكم في المدينة ."
-         " ( بحذر ) ماذا عنه .؟ "
-         " ترى لو كنت تتمتع بدقة الملاحظة فعلا لتمكنت من معرفة الفرق في الاسم .. ( ثم بوحشية تختلط فيها الضحكة الماجنة ) ولكانت مي الآن من نصيبك انت وليست من نصيبي.."
-         " ( بانفعال ) اسمع يا رامي انا لم أحب أو حتى أستلطف هذه الفتاه يوما.. بل إنني لأراها صبيا أكثر منها بنتا بشعرها القصير دوما وبنطالها الضيق وما رأيتها يوما بنتا حقيقية ."
-         " ( بسخرية ) ولكنك لم تكن تفكر هكذا منذ عامين ونصف .. وإنني لأتذكر وجهك الآن حينما واجهتك هي بأنك حتى لا تعرف على وجه اليقين ما هو اسمها فقلت أنت قاطعا على نفسك سبل الوصل ( منى ) وكنت أنا أقف بجانبك أكاد أثقب ضلوعك بكوعي من كثرة اللكز حتى تنظر لشفتاي وتعرف أنها مي وليست منى أيها الأحمق, وتعرف كم حاولت أنا لأصلح سوء الفهم الحاصل بينكما ولكن دون جدوى  "
-         " نعم ثم بعدها بأسبوعين كنت أنت أميرها الذي يأتي كل يوم في سيارة والدك البيضاء كي يلقي عليها تحية الصباح ثم تراها بين كل حصة والأخرى حتى في وقت الفسحة بين الحصص صرت تهمل أصدقائك وتقضي جل وقتك معها.. ( بحقد )  بل إنك كنت تأخذ منا الشطائر كي تأكلها معها.. حقا لقد أصلحت مابيننا وكان دورك فعالا في التقريب بيننا , أشكرك بشدة أشكرك يا صديقي "
-         " وما شأني أنا إن كانت هي لم تميل إليك يوما ما .؟ "
-         " ( بلهجة من يحاول السيطرة على مشاعره ) حسنا يا رامي .. لا اعتقد أنك تتصل بي الآن لتناقش معي هذا الموضوع .. خيرا هل جد جديد هل من فتاة أخرى ستتخذني معبرا إليها .؟ "
-         " أيها الغبي .. أنا لم أبدأ هذا الحوار السقيم بل بدأته أنت بملاحظاتك العبقرية عن النمش , ولم أكن لأصل لهذه النقطة من الحوار لولا تجاوبك معي وليكن في علمك أنا لم أخلق نفسي جميلا بل ولدت هكذا دون إرادة مني أما عن عقد ومركبات النقص التي تصر على أن تتحفني بها فيمكن أن تتفرغ لها فيما بعد ولكني عندي الآن خبر هام لك ... ( ثم بصوت منخفض يدل على خطورة الأمر ) لقد عاد مرة أخرى .؟ "
-         " ( بلهجة غير واعية ) من هو الذي عاد .؟ "
-         " عم محمد طبعا هو الذي عاد أيها المتخلف ."
-         " ................................"
-         " ما بك لماذا صمت هكذا , هيا تكلم "
-         " (بعد أن ثاب إلى رشده ) ولكن كيف يعود .؟ .. لا أحد يعود من هناك .؟ "
-         " ولكن هذا ما حدث فعلا لقد أبلغني تامر منذ ربع الساعة حالما أنهيت مكالمتي معه كلمتك على الفور "
-         " ( بدهشة ) تامر .؟ ( ثم بلهجة متشككة ) ولكن لحظة .. أيعرف تامر رقم تليفونك .؟ .. و لماذا لم يعطيني إياه لأكلمك .؟ "
-         " ( بأسلوب جاف عملي ) لأنني طلبت منه ذلك.. المهم كيف سنتصرف في هذه المصيبة .؟ "
-         " أية مصيبة .؟ "
-         " حازم .. لقد عاد الرجل مرة أخرى للمدرسة ."
-         " ( بخوف ) ربما هو واحد آخر يشبهه .)
-         " هل قال لك أحد أنهم يصنعون فراشي المدارس في خط إنتاج بأحد المصانع الصينية ويجب أن يكونون طوالا بيض شعر الرأس عصبيين دوما ."
-         " لا لم يخبرني أحد شيئا من هذا القبيل ."
-         " إذن كيف يتشابه رجل مع آخر ليس قريبه ولا يعرفه مع العلم أن الأول قد مات منذ ثلاث سنوات تقريبا ."
عندها تذكر حازم ما حدث أيامها فلقد كانت تجربة مروعة واسمها تجربة الموت وقد تعلمها رامي – ذات إجازة صيف - من ابن عمة له زعم أنه تعلمها في السودان حيث يقيم مع والديه وكانت تتلخص في وضع روح جني أو شيطان في جسد آدمي شرط ان يكون الآدمي ميت أو على وشك الموت حتى تنجح التجربة وجاءت رامي الفرصة الذهبية إذ وقع عم محمد فراش المدرسة من الدور الثالث وأصيب بتهتك في وضرر مريع في أحشاءه وذهبوا به للمستشفى وسمعنا أن الأطباء أقروا بأن أيام الرجل في الدنيا معدودات وقرر رامي أن يذهبوا إلى الرجل في المستشفى ويجربوا التجربة قال ساعتها أنها الفرصة الوحيدة أمامنا و بالطبع كانت التجربة تحت ستار إنقاذ عم محمد من الوفاة ساعتها!ز
وقتها كنا سذج مجرد مجموعة من طلبة الصف الأول الثانوي وبالطبع انسقت أنا و محمود أيوب و تامر القصبي وأحمد رشاد وخالد حسين ومحمود عادل وراء السابع الذي كان رامي الروبي وترددت الكلمات حول سرير عم محمد بالمستشفى – الذي كان مستشفى خاصا لحسن الحظ – من فم السبعة في وقت واحد ونغمة واحدة :
"يا أهل الله
يا جن الأرض
تعيشوا هناك
اعطونا السر
الميت مات
في غيطه بات
مين جاب خبره
راعي بقره
سبعة مننا
سبعة منكم
خذوا الميت
ياللا خذوه ."
 ثم نرفعه كلنا سويا بأن يضع كل منا سبابة ووسطى ( يمين ويسار ) تحت جسد الميت نرفعه قليلا ثم يتلو رامي شيئا ما غامض لم نعرف ماهو أبدا وكان يصر دوما على إخفاؤه دونما أن يشرك معه في السر أحدا وعند تطبيق هذه التجربة على عم محمد استيقظ هو في الجزء الأخير من التعويذة بالضبط ونحن نبدأ  في حمله كل ما أذكره أن الرجل نظر إلينا بعينان متسعتان ثم أغمضهما مرة أخرى ولكن كلنا لاحظنا بعد وضع عم محمد على سريره مرة أخرى أنه يبدو عليه التحسن فهو يتنفس بضعف ولكن بانتظام وجلده بدا كما لو كان اقل شحوبا وحيوية.

الهم أننا عرفنا فيما بعد أن عم محمد قد توفى في المستشفى, داهمته نوبة قلبية ليلا ولم  ينقذه أحد فانتهت حياته بهذه البساطة وكلنا ظننا أن التجربة فشلت وانتهت عند هذا الحد.

وها هو رامي الروبي يعود مرة أخرى مذكرا إياي بهذه القصة الكئيبة.
"-هل مازلت معي يا ولد؟ هل تصغي لما اقول أم أنك أصبحت مصابا بالصمم؟."
"-لا .. أنا أسمعك بوضوح .. وماذا تريد مني الآن يا رامي؟"
"-سنذهب إلى المدرسة لنرى كيف عاد عم محمد من الموت."
"-لكن..."
"-يا أخي مازلت كما أنت جبانا رعديدا .. كنت أعرف أنك سترفض ولهذا تركتك للآخر، إسمع يا حازم لقد دعوت كل الرفاق القدامى الذين حضروا تجربة إعادة عم محمد لكي نذهب إلى المدرسة الليلة ونرى بأم أعيننا كيف عاد الرجل وكيف هو حاله.. فإنك إما أن تكون معنا أو علينا."
"-................"
"-إسمع يا حازم أنت تعلم أن الرجل يقيم بالمدرسة ولا يقيم معه أحد.. الموضوع لن يستغرق أكثر من 15 دقيقة سندخل المدرسة نرى حال الرجل ونخرج في هدوء نعود لبيوتنا لننعم بالأمان.. والآن للمرة الاخيرة هل انت معنا أم علينا؟"
"-معكم .. متى اللقاء؟"
"-الساعة الثانية بعد منتصف الليل عند الباب الخلفي للمدرسة..تمام؟"
"-تمام، أراك هناك."
"-حسنا سلام."
"-سلام"
**********
في تلك الليلة حدث الأمر سريعا ذهبنا كلنا إلى المدرسة وتسللنا عبر السور للداخل وما أن اقتربنا من غرفة عم محمد بالطابق الأرضي حتى رأينا الرجل كما نذكره تماما وقت وجودنا بالمدرسة، نفس الطول الفارع والهيئة النحيلة والشعر الأشيب الذي يغطي كامل الرأس برغم برغم سنوات عمره التي تجاوز الستين بسنين.
كان الرجل يلبس جلبابه الصعيدي المميز جالسا على الأرض يدخن النرجيلة وما أن لمحنا على باب غرفته حتى بدأ في الصياح وقام من مكانه في اقل من ثانية لتبدأ مطاردة عجيبة من رجل عجوز سبعيني لمجموعة من شباب الجامعة داخل مدرستهم الثانوية السابقة، لم أدر بحالي إلا وأنا أركض بكل قوتي حتى لمحت السور من حيث ما دخلنا فقفزت اعلى السور للسخارج في حركة واحدة لأواصل الركض حتى وصلت للبيت، لم أسأل أي من رفاقي بعدها عما حدث ولم أعرف كيف عاد عم محمد من الموت وطاردنا في المدرسة بنفسه.
**********
بعد هذا الموقف بعشر سنوات قابلت رامي الروبي مرة أخرى بالمصادفة في القنصلية المصرية بـ(جوهانسبرج) كنت أجدد جواز السفر وبعد السلامات والتحيات عاد الحوار مرة أخرى وسألت رامي وأنا أخفض صوتي:
"-ترى مذا حدث معك في تلك الليلة؟"
"-أي ليلة؟"
"-ليلة اقتحامنا للمدرسة لنرى عم محمد"
فانفجر رامي ضاحكا ومن بين ضحكاته سألني:
"-ألم تسأل نفسك ولو مرة لماذا عدنا كلنا تلك الليلة للمدرسة؟"
"-لكي نتأكد أن عم محمد عاد من الموت بالطبع."
"-وهل يعود الموتى يا متخلف؟"
ثم تعالت ضحكته مرة أخرى وهو يقول:
"-كان مقلبا .. كنا جميعا في الثانوية العامة فشلة وأنصاف فشلة وكنت انت الوحيد فينا الذي دخل كلية من كليات القمة وكنت حينها عدت من السفر لأدخل معهد كمبيوتر في 6 أكتوبر، وعندما التأم شمل الشلة كلها جاءتنا الفكرة ان نصنع فيك مقلبا لنضحك قليلا."
غلى الدم في عروقي من كلماته وفكرت للحظة ان أحمل مطفأة الحريق بجانبي وأنهال بها لأكسر جمجمته ثم بعد تفكيري لثوان وجدت أن الأمر تم منذ زمن وكان مقلبا من صديق الطفولة وأنه ليس بهذا السوء فسالته:
"-وعم محمد .. هل عاد من الموت فعلا؟"
"-لا أحد يعود من الموت يا عمر، كان الفراش الذي رأيناه احد أقرباء عم محمد وقد ساعد الشبه والليل على اقناعك بالأمر، أتعرف .. أنت الوحيد فينا الذي جرى ولو كنت توقفت لثلاث ثوان لكنت رايتنا جميعا غارقين في الضحك."
ثم وهو يضحك                                                                                                
"-لقد ضحكنا على منظرك وأنت تجري في المدرسة وحدك ثم تقفز من فوق السور لسنوات يا رجل."
عند هذا الحد لم أستطع قمت وخرجت من باب القنصلية أريد أن ابتعد عن رامي وعن كذبه العابر للزمن.
x