الأحد، 29 سبتمبر 2019

النداهة


365

الاربعاء 2 يناير 2019

طبعا لم أكن أعلم كل هذه التفاصيل عن فهمي وفهمي لمن لا يعرف منكم هو صديق دراسة قديم وقد التقينا عدة مرات في اكثر من مناسبة في مصر وخارجها، وكان دوما انطباعي الثابت عن فهمي أنه هو الشخص المحترم ذي الأصول العريقة وأن عائلته لأمه هي عائلة رفعت التركية الشهيرة أصحاب سلسلة محال الملابس الراقية في جميع أنحاء الوطن العربي وكذلك عائلة أباه من أقدم عائلات الشرقية ولهم مزارع فواكه منتشرة في جميع أنحاء مصر، باختصار كان فهمي في أثناء وبعد دراستنا الجامعية يمثل الطبقة الأرستقراطية العتيدة القوم الذين اعتادوا إصدار الأوامر لا تلقيها!

ولأنني كنت ومازلت ماهرا في تعلم اللغات وبخاصة اليونانية والتركية القديمة فقد صار فهمي رفيق درب بالنسبة لي، كانت دروس اللغة التركية بمثابة المضمار الذي تتنافس فيه شخصيتينا كان المضمار الأساسي بجانب حب فاطمة الوكيل الذي كان مضمارا اخر نتنافس فيه نحن الاثنين مع كافة شباب دفعة كلية الآداب للعام 1973 جامعة القاهرة!

لكن ما اشركني في قصة فهمي وعرفني بها وجعلني تحكيها لكم اليوم ليس فهمي شخصيا فأنا لم ألقاه منذ أكثر من ثمانية عشر عاما عندما تقابلنا في أول سبتمبر 2001 في منهاتن، وأقول لكم أن ما أشركني في قصة فهمي هو حدث جرى في نهاية العام الماضي أكسبني العديد من مصادر المعرفة ولن أستطيع التفسير أكثر من ذلك الآن وإن كنت سوف اعود لهذا الحدث لاحقا متى سمحت لي الأطراف المعنية المشتركة معي في هذا الحدث أن احكي عنه.

باختصار ودون تفاصيل ليس لها لزوم فقد ذهبت إلى المستشفى لألقى فهمي وحكى لي -ما عرفته سلفا- ما حدث له من جلسة الميراجواي ونصيحة هاري عن النصاب كولبي ذي المثانة الخربة وقد أخفيت عنه غرضي من الزيارة وعرضت عليه المساعدة فرحب بها وأشرت عليه بطلب المساعدة من السير بيرجندي وقد فعل وحدث ما علمتموه في الفصل الاول.

وها قد وصلنا للفصل الثاني حيث سيروي فهمي حكاية أخرى فقد احتكم الأمر ووجب عليه -طبقا لقانون الجانب الآخر- أن يحكي لمدة سنة .
**************
عرفت أن ابراهيم سوف يأتي بعد جلسة الميراجواي وقد ذكرني بنصيحة هاري وعرض على الوساطة وقد فعل وحصل لنا على صفقة جيدة، ولكن هذا هو اليوم الثاني وقد وجب الحكي ولكن حكاية اليوم من نصيب أحد المجنونان المرافقين لي وسوف اتركه معكم.
***************
انا المجنون الأول أو بمعنى آخر أنا الدكتور مينا كيرولس دانيال كنت رئيس الجمعية الجغرافية الوطنية المصرية وزميل الجمعية الجغرافية الأمريكية والبريطانية أيضا عملت طوال حياتي على إثراء المحتوى الجغرافي عن مصر وخرائطها وتضاريسها وكانت زوجتي إيريني هي رفيقة الدرب حتى وفاتها وهي في شرخ الشباب منذ أكثر من عشرين عاما كنت أنا وإيريني نزور إحدى قرى الحدود ناحية جبل العوينات والقرية عبارة عن واحة صغيرة تتمحور كلها حول بئر كبير في منتصف القرية بالضبط.

كان سويري هو الدليل الذي دلنا في الصحراء حتى وصلنا الواحة من خارج الواحة ولكنه كان من عائلة تنتمي لأحد افخاذ نفس القبيلة التي تعيش في القرية وعندما وصلنا للواحة سألني عن الوقت الذي نحتاجه لننهي اعمالنا فأخبرته اننا سوف نحتاج ثلاثة أيام فأخبرني بمرح أنه إذن لن يبيت معنا الليلة في الواحة فهو سيأخذ الجمال الأربعة إلى واحة مجاورة لتأكل وتستريح وله فيها أيضا زوجة من زوجاته الأربع وأنه سوف يعود لنا بعد مرور أربعة أيام نكون فيها قد أنهينا العمل، ثم بعد أن تطمئن علينا في خيمتنا أخذ يجهز الجمال للرحيل ثم تنحى بي جانبا وهو يقول بصوت خفيض"يا دكتور مينا بالله عليك لا تتجول كثيرا في الليل هنا." وعندما سألته عن السبب وإذا ما كانت هنا حيوانات مفترسة أو ما شابه فأخذ يضحك وهو يقول "لا توجد هنا اي حيوانات مفترسة، ولكن توجد المزييرة، تنادي عليك طول الليل نصحى الصبح نلاقيك فارقت عقلك واتجنيت." فنظرت له باستخفاف وقلت "لا تقلق علي يا سويري."

كنا وقتها في منتصف التسعينات وكانت وسائل الاتصال ماتزال محدودة ولكن القرية وسكانها البدو كانت اكتشاف مذهل وقضينا يومين وليلة في سعادة بالغة من اكتشافنا الجديد ولكن في الليلة الثانية وانا نائم في الخيمة سمعت من يناديني باسمي الاول (مينا) في البداية ظننت أنه اختلط الأمر علي وان هناك أحد البدو ينادي على رفيق له خاصة أنهم منحونا خيمة فوق تبة صغيرة جدا تعتبر فعليا خارج محيط قريتهم، لكنني ومع التكرار انتبهت إلى أن الصوت المنادي ليس لرجل بل هو صوت أنثوي وهو يشبه كثيرا صوت زوجتي ! زوجتي التي تنام بجانبي ولا تدري شيئا عما يحدث، فكرت أنها ربما تكون إيريني هي مصدر الصوت ولكن كيف وهي نائمة بجواري والصوت قادم بوضوح من الخارج؟ في النهاية ومع استمرار ذلك النداء قررت استطلاع الأمر فقمت من رقدتي وخرجت من خيمتي وأنا متحفز للغاية ولم يكن معي سوى سكين رفيع صغير يشبه السونكي امسكته في يمناي وانا اتخذ وضعا دفاعيا والكشاف الصغير في يسراي ثم خرجت من الخيمة.

ما أن خرجت من الخيمة حتى واجهني الكثير من الرمال التي تثيرها الرياح في وجوه القادمين في الليل وعرفت أن هذه بدايات عاصفة رملية وحدثتني نفسي أن أرجع إلى الخيمة أحتمي بها من الرمال ولكنني كنت خائفا أكثر من الصوت الذي يناديني بإلحاح فقررت أن ادور حول الخيمة دورة أو اثنتين لتفقد الأمر فإن لم أجد ما يريب ولم أعرف مصدر الصوت فلتكن الليلة كما هي ولنقضيها بأي صورة في الخيمة ونرحل بعدها في الصباح، لم أجد شيئاً ما يريب في الدورة الأولى حول الخيمة وان استمر الصوت في النداء ثم في الدورة الثانية وقبل أن أصل لباب الخيمة مباشرة وجدتها أمامي واقفة في الظلام والهواء المحمل بالرمال يطير شعرها لأعلى فتبدو كواحدة من بنات الجن فتذكرت في التو الآية في الكتاب المقدس "وَاذَا كَانَ فِي رَجُلٍ اوِ امْرَاةٍ جَانٌّ اوْ تَابِعَةٌ فَانَّهُ يُقْتَلُ. بِالْحِجَارَةِ يَرْجُمُونَهُ. دَمُهُ عَلَيْهِ." فما انتبهت لحالي الا وانا راقد فوق بنت الجن أطعنها في قلبها في بطنها في ذراعيها وهي لا تقاوم وان كانت ضحكتها تصك اذني وكلما زادت الطعنات زادت الضحكات وكلما سمعت الضحك أعلى زاد نشاطي لأطعنها لأقتلها واخلص العالم من شرورها وهكذا حتى رحت في إغماءة طويلة وعند الفجر استيقظت ووجدت نفسي داخل الخيمة مكبل بالحبال سألت الأعراب لم تربطونني فلم يجبني أحد وإن أتى أحدهم وقدم لي بعض التمر واللبن دسه دسا في فمي بلا كلام فعرفت أنه يريد مني أن أكل فأكلت ثم تركوني وحدي فأخذت افكر ربما التي هاجمتني في الليل هذه احدى نسائهم وغالبا سوف يعاقبونني على ما فعلت واخذت انادي على إيريني التي لم اعرف اين هي الآن ولكنني كنت واثق أنهم لن يؤذونها فهي لم تفعل شيئا وأخذت انادي وانا مقيد بعمود الخيمة لا استطيع الفرار حتى جاءتني إغماءة أخرى أفقت منها ربما عند الظهر على وجه سويري وهو يناديني لكي استفيق وعرفت منه أنهم احضروه بسرعة ليأخذني لأقرب نقطة شرطة في العوينات وعندما سألته عن سبب ذهابي للشرطة فأخبرني وهو مندهش "لأنك قتلت زوجتك ليلة أمس يادكتور."

تمت

******
ثم كان كلامي:
ترى هل حاز الكلام على الاهتمام
ترى هل من مخرج لشقي أعرج
هل أرضاكم الكلام يا سادة الظلام
******
وكان رد الليدي فلافيا:
سنرى كيف تجاوبك أيها الفاني
ولا تستعد بروحك للفرح أو التهاني
فكل داخل لعالمنا مفقود
حتى وإن كافح لعقود
الى الغد لقاءنا إذن يا فاني.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق