أبدأ بوضع ابني ذي الأربعة أعوام في سريره وإذ به يقول:
" أبي، تحقق من الوحوش تحت سريري."
أنظر إلى الأسفل فقط من أجل إرضاءه لأراه هو هو لكن آخر، تحت السرير، يحدق بي بعينين مليئتين بالدموع مرتعشاً ويهمس:
" أبي، هناك شخص ما شبهي على سريري."
تمت
السبت، 24 أغسطس 2019
تحت السرير
الجمعة، 23 أغسطس 2019
قبو المنزل الجديد
من مذكرات محلل نفسي
في إحدى جلسات التحليل النفسي قالت لي الصغيرة مي ذات الأعوام الأربعة:
"لا أعرف لماذا عادت تلك المرأة الشقراء حلمي مرة أخرى؟"
"لماذا تكرهينها يا مي؟"
(بلهجة متأففة)
"لأنها وفي كل مرة تخبرني أنني ابنتها وأن أمي ما هي إلا امرأة سرقتني منها من زمن."
"إنه مجرد حلم"
"وما أدراك؟.إنني أبدو حتى شقراء مثلها في حين أن أمي سمراء!!"
"هل لهذا تصرخين على أمك؟"
"لا أعرف فأنا لا أحب بيتنا الجديد."
"وما عيب بيتكم الجديد؟"
(وهي تبتسم وكأنها تتذكر)
"لا شيء إنه واسع ومشمس طوال اليوم والحديقة رائعة، (تقطب وجهها كمن تذكر شيئاً مخيفا)لكن القبو.."
"ماذا به؟"
"حسنا سأخبرك.. منذ انتقلنا للمنزل الجديد وأنا أسمع صوت كلب في القبو."
"ربما هو كلب الجيران لقد عرفت من أمك أن الفيلا المجاورة لكم بها أكثر من كلب."
"لا ليس كلاب الجيران، فكلاب الجيران كلهم كلاب كبيرة، أما هذا فصوت كلب صغير..ذلك الذي نسميه..."
"جرو؟"
"نعم ما أسمعه في القبو صوت جرو صغير يزمجر يخمش بمخالبه حائط القبو يتنفس بصوت عال بأنفاس متلاحقة."
"ثم؟"
"ثم لا شيء.. لم أستطع ولو لمرة واحدة أن أرى هذا الجرو..وذات مرة غافلت أمي ونزلت نحو القبو وبمجرد أن فتحت القبو وانحنيت لأرى ما بالأسفل وجدت أمي خلفي وهي تصيح وتهددني أنها سوف تحبسني في غرفتي لبقية الأسبوع..(ثم وهي تعتدل في جلستها كمن يقر أمرا واقعا) حسنا سأخبرك لم يحدث أن صاحت علي أمي أبدا بهذه الحدة من قبل لذا سيطر علي الخوف ولم أعد للقبو أبدا من تلك المرة."
(نظرت في ساعتي ثم قلت لها)
"حسنا يا مي.. انتهت جلستنا لهذا الأسبوع..أراك الأسبوع المقبل."
"حسنا يا دكتور.. سلام.(تنزل من على الكرسي وتتوجه ناحية الباب ثم تتوقف كمن يريد شيئا اخر)دكتور..قبل أن أغادر هل يمكن أن أسألك سؤالا؟"
"أي سؤال يا مي؟"
"لماذا كان الجرو الصغير في قبو منزلنا يبدو غريبا؟"
(اعتدلت في جلستي وأنا أسألها)
"وكيف كان يبدو يا مي؟"
"كان يبدو لي مثل ولد يزحف على بطنه وليس له يدان أو قدمان."(ثم غادرت العيادة فوراً تاركة إياي مذهولا)
تمت
الأربعاء، 23 يناير 2019
الحب في زمن الثورة (٤)
"سوف احدثك اليوم ليس كأم تحدث ابنتها بل كامرأة تتحدث مع امرأة، وكلي أمل أنك سوف تفهمين وتقدرين ما ستعرفين.
في ذات يوم بارد من يناير كانت جلسة طلاقي من (علي)، وكانت جلسة ودية بحضور محامية مشتركة، بكيت وبكى، مما دعا المحامية للتوقف مندهشة لتذكرنا بأن الطلاق خيار، وانه مجرد اجراء يمكن التراجع عنه في اي لحظة، حتى بعد اتمامه.
ومن بين دموعنا طلبنا منها ان تستمر، واستمرت لتنهي زواجا دام أحد عشر عاما او أكثر.
ما حدث بعدها كان غريبا و صادما: بعد عودتي الى بيت جدك، انطبقت علي الجدران من كل الجهات، اختنقت وكدت افقد صوابي، فخطفت معطفي وجريت الى الشارع، وبعد لحظات وجدتني أمام بيت أهل (علي) القريب من بيت جدك، وفي نيتي ان اطلب منه ان نتوقف عن هذا الجنون ونعود لسابق حالنا.
لكن بمجرد ان رفعت يدي باتجاه جرس الباب، تصلبت أطرافي بالكامل، كما لو ان شللا مفاجئا أصابها. وقفت بلا حراك زمنا طويلا لم اعد اذكره، ربما ثلث ساعة أو أكثر. راسي منحنية الى أسفل ويدي معلقة في الهواء، وشيء في داخلي يقول: لا!
بعد عشرين دقيقة او اكثر عدت أدراجي.
اليوم اتذكر هذه اللحظات الدقيقة من عمري وأقول، ماذا لو أنني طرقت الباب ساعتها، او اطل هو فجاة من النافذة؟ ما الذي كانت ستكون عليه حياتي الان؟
رغم الضعف، والتردد والشك يظل في أعماق كل واحد منا صوت هش، ضعيف، خائف، مهمل ومسكين، يخبرنا بِما يليق بِنَا، وبما يجب أن نفعله ويخصنا وحدنا.
الحياة مربكة والبشر مركبون، لكن هذا الصوت البعيد، الخافت، الذي بالكاد نسمعه وبالكاد نميزه من بين بين كل الأصوات والضجيج والفوضى، هو وحده الذي انقذني من نفسي لأن النفس احيانا تعادي صاحبها، وتنقلب عليه تماما كجهاز المناعة او أي عضو آخر فيه. وهو ليس بالضرورة صوت المنطق، لأن المنطق قد يكون في منطقة اخرى، او في منطقة بين المنطقتين، او قد لا يكون أبدا، لكنه صوت حقي الشخصي، الحق الأقرب انصافا لي وعدلا مع (علي)، ورحمة بنا جميعا،
وها أنا ذا بعد كل هذه السنين أدين بتقدمي في الحياة وحفاظي عليكم لهذا الصوت.. الصوت الذي أخبرني بما عليّ فعله بالضبط."
#الحب_في_زمن_الثورة
#رواية
#ابراهيم_جمال
#معرض_الكتاب_2020
الحب في زمن الثورة (٣)
الزمن فكرة مرعبة يا (جون) ، نتخفف من رعبها بالأسماء والتواريخ والمناسبات .. تخيل أيام الأسبوع بلا أسماء ، فلا شيء في "الأحد" مختلف فعلا عن "الإثنين" .. سيعني هذا أنه لا أسبوع أصلا .. وتخيل أنه لا توجد أسماء للشهور .. لن يكون هناك بالتالي سنوات .. سنسبح في نهر صامت من الوقت ، سأنسى أنني كائن ممتد من سنة ما إلى سنة ما ، سأكف عن النظر إلى نفسي كخط امتد من نقطة إلى نقطة على خط لا نهائي من الزمن ..
سيصبح الزمن الوحيد هو زمني .. حبي وخوفي وإيماني وشكي وأصدقائي وسعادتي وحزني وكتبي .. لن يعود ثمة حيز خارجي عني اسمه الزمن .. سأصبح أنا زمني وزمني أنا .. وستصبح أنت زمنك وزمنك أنت .. وسيصبح زمننا المشترك ما حصل بيننا .. سأقول إني أعرفك منذ خمس وثلاثين خطابا وبيتين شعر وضحكات لا تعد وخمس دمعات مسحتَ ثلاثا منها واستحت منك اثنتان فعادتا إلى عيني ..
#الحب_في_زمن_الثورة
#رواية
#ابراهيم_جمال
#معرض_الكتاب_2020
الحب في زمن الثورة (٢)
كذا بدأ (يسار) حكايته مثيراً دهشتنا وجعلنا نشعر بالمزيد من الرعب ونحن محبوسين تحت تهديد سلاحه في عنبر مستشفى المجانين القديمة، وبمجرد أن بدأ الكلام حتى نظرت لي (سيبيل) نظرة بعينيها الواسعتين التين اتسعتا أكثر ممن يقول:
"ترقب فهذه ستكون فرصتنا للهرب."
و فهمت منها أنها تحثني على الاستعداد للهرب من العنبر ولم يكن الأمر يحتاج للكثير من الذكاء لفهم خطتها، فعندما سيندمج (يسار) بالحديث عن تجربته الطويلة بالمستشفى سوف يقل اهتمامه بنا وسينسى أنه يهددنا بالسلاح، وبالتأكيد سوف تكون هناك فرصة للهروب من تحت يده حينها علينا اغتنامها.
نظرت تجاه (سيبيل) و حنيت رأسي لأسفل في حركة بطيئة قدر ما استطعت لأوصل لها رسالة :
"نعم أنا معك في خطة الهروب."
#الحب_في_زمن_الثورة
#رواية
#ابراهيم_جمال
#معرض_الكتاب_2020
الاثنين، 17 ديسمبر 2018
الحب في زمن الثورة (١)
-"كان مهتماً بي بطعامي بأوقاتِ دوائي بصحتي وحزني ودمعتي، كان يعرف كلامي المضمر قبل كلامي الصريح وينتبه لحناني الخفي أكثر من قسوتي الظاهرية، وكثيراً ما لاحظته يتأملني بشغف بشوق لحنان، يتأملني بعاطفة ثلاثينية عفية، يتأملني بحزن عينيه الشجية، كان وجوده يهدئ من روعتي ولم تمض ليلة إلا وكان يحدثني فيها عن نفسي يحببني في نفسي يقربني من نفسي وكنت منها نائية، كان يفهمني ويقرأني ويعرفني بل أقول إنه الوحيد الذي استوعبني، لقد عوضني عن كل شيء وحرمني أخيراً من شعور الفقد، لقد.. لقد كان حلم كل فتاة."
-"ثم ماذا حدث؟"
-"ثم بكيت بإحدى الليالي فسأل وأجبت أن اشتقت للحبيب المفقود، فبكى ثم ذهب ولم يعد."
#الحب_في_زمن_الثورة
#رواية
#ابراهيم_جمال
#معرض_الكتاب_2020
الاثنين، 18 يناير 2016
سبهللا
وما الحياة اصلا إن لم نستطيع من خلالها تحصيل علم ينفع دنيا وآخرة أو عمل يرفع ويعود بالفائدة دنيا وآخرة أو حتى متع زائلة مذهلة ؟!
ما الحياة ؟ ، يذكرني هذا التساؤل بكلمة تكثر في كلام المصريين ولا يدركون أنه مصطلح عربي فصيح وهو (سبهللا) فهذه الكلمة تعني بالفصحى : لا لدنيا ولا لآخرة ، فإن كانت الحياة سبهللا فما أصبرها على الموت.
